“موقع فريد حسن: رحلة في عالم الفكر والفن، تجمع بين إرثه العلمي والموسيقي، وتدعو للإلهام والتواصل الإنساني.” اكتشف الآن

عدم التلاؤم مع المجتمع والعمل: طريق محفوف بالمخاطر إلى الانتحار - قصاصة رقم (31) في مشروع كتاب كيف ينتحرون للباحث في التربية وعلم النفس – فريد حسن

يشير المقال إلى الإحصائيات المخيفة عن حالات الانتحار حول العالم، حيث ينتحر مليون شخص كل سنة، ومعظمهم من الشباب في سن العطاء.

عدم التلاؤم مع المجتمع والعمل: طريق محفوف بالمخاطر إلى الانتحار

كيف يؤدي الاغتراب الاجتماعي وفقدان الانسجام مع البيئة المحيطة إلى تزايد حالات الانتحار؟

الغاية من الكتاب إبعاد الناس عن الانتحار وليس تعليمهم طريقة الانتحار كما يفهم البعض من العنوان

فعندما ينتحر مليون إنسان كل سنة وهم في سن الشباب والعطاء حول العالم – وعندما ينتحر كل أربعين ثانية شخص – وعندما تكون كل مائة وفاة تقابلها أكثر من حالة انتحار – وإن الزيادات في الانتحار في إحدى الدول بين عام 2019 و2020 كانت 86 في المائة -وللخطورة الكبيرة للموضوع يجب علينا جميعا أن نضاعف الجهود للتخفيف من خطورة هذه الظاهرة : و من أسباب الانتحار عدم التلاؤم مع العمل – ومع المجتمع – ومع السياسة !

إن من مواصفات وتعريفات الإنسان العديدة كونه كائن اجتماعي- إضافة للعديد من التعريفات الأخرى مثل كونه كائناً ناطقاً – وعاقلاً ..الخ ؟ وكونه كائن اجتماعي يُحَتِّم تلاؤمه السريع مع المجتمع وما يحويه من عادات وتقاليد ولغة ولباس وعمل يلبي منه له وللآخرين الذين حوله حاجاتهم المادية والمعنوية – ومن بينها الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات والفنون والسياسة والاقتصاد …إلخ

وبسبب التطور السريع في وسائل الاتصال والتواصل وقنوات التلفزيون صار كثير من الشباب لا تعجبهم كثير من ثقافة وقيم وأخلاق وأعمال وسياسة بلدهم ويجدون ما لدى الآخرين وخاصة الدول التي كانت تستعمر بلدهم – أو الدول ذات الوسائل الأقوى والأغنى والأكثر تطورا من بلدانهم – وهذا بديهي في نظرية التقليد التي تحدث عنها عدد من المفكرين والفلاسفة الغربيين على رأسهم تارد - ودوركهايم - ورينيه –(في القرن التاسع عشر )

والذين سبقهم إليها جميعاً فيلسوفنا ابن خلدون في القرن الرابع عشر عندما قال بأن المغلوب يقلد الغالب بل هو مولع بتقليده في كل عاداته ولباسه وثقافته بعد الاتصال به طبعا ! حيث يوضح ابن خلدون كيف يقلد الأبناء آباءهم – والمتعلمون معلميهم – والرعية لسلطانهم - وهكذا وعلى هذا المبدأ والمنوال يقلد الفقيرُ الغنيَّ – والمستَعْمَرُ يقلد المستَعْمِرَ والمتخلف يقلد المتحضر !

وهكذا صار كثير من الشباب بل وحتى الأطفال ينسخون ما لدى الشعوب الأخرى ويلصقون ما نسخوا من مجتمعات غريبة - على شخصياتهم ( نسخ -لصق ) كما يفعلون في الكومبيوتر ؟ وهذا يخلق أجواءً من الرفض للشباب والأطفال لكثير من قيم المجتمع الثقافية والأخلاقية ومحاولة إحلال قيم أخرى مستوردة في شتى مجالات الحياة :

بدلا مما عندنا من قيم احترام للكبار – و كرم – وشهامة – ومحبة للجيران – وصلة رحم – وبعد عن المحرمات من خمر وزنى – وتنفيذ وقيام بأركان الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج … الخ ! إن التفاعل اليومي عبر وسائل التواصل – ووسائل الاتصال – وعبر المواصلات السريعة والمتنوعة التي جعلت العالم قرية صغيرة ؟

هذا التفاعل جعل الأجيال الناشئة تشعر بالغربة عن مجتمعاتها وتشعر أنها مختلفة عن مجتمع الآباء والأجداد وبالتالي رفض ما كان موجودا من قبل لأنه لا يناسب ما وجده عند الدول القوية الأخرى – حيث لا يمكن أن يتلاءم من عاش افتراضيا مع مجتمعات غربية غريبة عن قيمه وثقافته إن كان من حيث الأعمال التي يكلف بها – أو من حيث فرض نوع من العلاقات الاجتماعية التي باتت في عين كثير من الشباب متخلفة – أو نمط سياسي لبلاد لها ظروف محيطة بها مغايرة حتما لما لدينا ؟

إن وجود ظروف محيطة بالشاب كالبطالة وندرة العمل – وإن توفر العمل كان العمل مجهدا ومغايرا لإمكانات الشاب ورغباته – وغير مجدٍ لتلبية حاجات الشباب لبناء أسرة أو تأمين ورشة يعمل فيها أو محل خاص به – وعندما يعجز رغم كل الجهود المبذولة ويتكرر الفشل ويكون اليأس مصيره وعندما تتضافر عدة مكونات سلبية في شخصيته يجد أن الحل محصورٌ في الانتحار فيتجه إليه ليخلص نفسه مما هو فيه من يأس ونفاذ صبر واحتمال !

وإلى اللقاء في قصاصة قادمة بإذن الله – دمتم لفنانكم الباحث في التربية وعلم النفس – فريد حسن


 

إرسال تعليق

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *